تمثل جرائم قتل النساء في تونس جرحا نازفا في ضمير المجتمع، فهي ليست مجرد أفعال إجرامية معزولة إنما مؤشر خطير على خلل أعمق يخدد قيم العدالة والمساواة، هذه الجرائم تعري واقعا مؤلما يكشف أن التشريعات وحدها مهما بلغت من دقة وصرامة قد تفقد فعاليتها إذا لم تترجم إلى آليات واضحة توفر الحماية الحقيقية للنساء وتحد من تفشي هذه الظاهرة.
مقالات ذات صلة:
رسائل نسوية من نيويورك: وزيرة تونسية تقود تحرّكًا دوليًا لتعزيز حقوق النساء
المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة يطلق خدمة الإشعار الرقمي لمكافحة العنف ضد النساء
في اليوم العالمي للمرأة: دعوة لتشريعات أكثر إنصافًا وتمكينًا لكافة النساء والفتيات في تونس!
برغم أن تونس تعد من الدول الرائدة عربيا في مجال حماية المرأة من العنف، فإن استمرار وقوع جرائم قتل النساء يؤكد أن المعضلة لا تكمن في غياب القوانين بقدر ما تتجلى في محدودية تفعيلها وضعف آليات الوقاية، اذ يعد القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 أحد أبرز المكاسب التشريعية التي حققتها تونس في هذا الإطار حيث يعرف العنف ضد المرأة بشكل شامل ويجرم كافة أشكاله بما في ذلك العنف الجسدي، الجنسي، النفسي، الاقتصادي والسياسي؛ كما يميز هذا القانون بوضوح بين العنف الزوجي، العنف داخل الأسرة، العنف في الفضاء العام، والعنف الإلكتروني، ما يجعله إطارا قانونيا متقدما يحاكي المعايير الدولية.
وما يميز هذا القانون أيضا أنه يلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية النساء من العنف بما في ذلك تخصيص وحدات متخصصة في الأمن للتعامل مع هذه القضايا، إلى جانب إحداث مراكز لإيواء النساء المعنفات، كذلك ينص على توفير برامج تكوين للمعنيين بإنفاذ القانون بما يضمن تعاملهم مع قضايا العنف ضد المرأة وفق مقاربة تحترم كرامة الضحية وتضمن لها الحماية.
غير أن النصوص القانونية، مهما بلغت من شمولية تظل قاصرة ما لم ترفق بآليات تطبيق صارمة وفعالة، ففي العديد من الحالات يواجه الضحايا عراقيل تضعف قدرتهم على الوصول إلى العدالة مثل ضعف تكوين أعوان الأمن في التعامل مع قضايا العنف أو التساهل في تطبيق تدابير الحماية العاجلة التي ينص عليها القانون، على سبيل المثال ينص الفصل 33 من القانون عدد 58 على إمكانية إبعاد المعتدي فورا من محل السكنى المشترك كإجراء وقائي لحماية الضحية غير أن هذا الإجراء لا يفعل دائما بالنجاعة المطلوبة ما يعرض النساء لمزيد من الخطر.
إضافة إلى القانون عدد 58، فإن الفصل 46 من الدستور التونسي يشكل دعامة أساسية في حماية النساء من العنف حيث ينص على أن الدولة "تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات وتسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة وتتخذ التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة"، هذا الفصل يحمل الدولة مسؤولية مباشرة في ضمان حماية المرأة من كافة أشكال العنف وهو التزام يتجاوز الجانب التشريعي إلى ضرورة اتخاذ تدابير عملية ترسخ هذه الحماية في الواقع اليومي.
وعلى المستوى الدولي، تعد اتفاقية إسطنبول لعام 2011 واحدة من أبرز المعاهدات التي أرست نموذجا متكاملا لمكافحة العنف ضد النساء، هذه الاتفاقية تلزم الدول باتخاذ تدابير وقائية صارمة من بينها حملات توعوية وطنية تهدف إلى تغيير العقليات والسلوكيات التي تسوغ العنف، كما تفرض على الدول توفير مراكز استقبال للنساء ضحايا العنف وضمان تقديم دعم قانوني ونفسي واجتماعي لهن.
من جهة أخرى، فإن إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة لعام 1993 يعتبر مرجعا قانونيا مهما يكرس مسؤولية الدولة في الوقاية من العنف وحماية الضحايا وضمان معاقبة الجناة وفق معايير تضمن عدم الإفلات من العقاب.
ولكن رغم هذه الترسانة القانونية الوطنية والدولية، فإن المعركة ضد العنف المسلط على النساء لا يمكن أن تكسب دون التزام فعلي من كافة الفاعلين بداية من أجهزة إنفاذ القانون زوصولا إلى المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية، اذ إن تغيير العقليات يعد الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع يجرم العنف في وعيه الجمعي ولا يكتفي بملاحقته في أروقة المحاكم فقط.
لذا، يتطلب ذلك تفعيلا صارما للقوانين القائمة إلى جانب تطوير آليات الحماية والوقاية، وينبغي العمل على تكوين القضاة وأعوان الأمن لتطوير مهاراتهم في التعامل مع قضايا العنف الأسري بما يضمن حماية فعالة للضحايا وردعا حقيقيا للجناة، كما يتعين توسيع شبكة مراكز الإيواء وتوفير خطوط إغاثة تعمل على مدار الساعة لتلقي إشعارات التهديد والعنف وتوفير الاستجابة الفورية.
إلى جانب التشريعات الرادعة وآليات الحماية الفعالة يمثل تمكين النساء اقتصاديا واجتماعيا عاملا محوريا في كسر دائرة العنف التي تحاصر العديد منهن، إذ أن استقلالية المرأة المالية لا تمنحها فقط القدرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، بل تعزز أيضا ثقتها في نفسها وتمكنها من اتخاذ قرارات مصيرية دون الخضوع لضغوط اجتماعية أو اقتصادية تجبرها على البقاء في علاقات مسيئة أو بيئات غير آمنة، فالعديد من النساء يجدن أنفسهن محاصرات بعقلية "هني على روحك وحافظ على دارك" وهي عقلية تعكس تصورا قاصرا لدور المرأة يحصرها في إطار الواجبات المنزلية والرعاية الأسرية ويثنيها عن خوض غمار العمل وتحقيق ذاتها، هذه العقلية التي تكرس التبعية الاقتصادية تجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال والعنف حيث يجدن أنفسهن في كثير من الأحيان مضطرات لتحمل الإهانة أو الإساءة خشية فقدان المأوى أو المعيل.
من هنا، يصبح تكثيف برامج التكوين المهني والتقني للنساء أولوية حتمية مع التركيز على القطاعات الواعدة التي تفتح لهن فرص اندماج أفضل في سوق الشغل وتمنحهن إمكانية تحقيق الاستقلالية المادية، كما أن تشجيع النساء على بعث مشاريع صغرى ومتوسطة من شأنه أن يعزز ثقافة المبادرة ويوفر لهن مصادر دخل قارة وهو ما يتطلب مرافقة تقنية وتمويلية فعالة لضمان نجاح هذه المشاريع واستمراريتها، كذلك لابد من تطوير منظومة تعليمية وإعلامية تشجع الفتيات منذ سن مبكرة على كسر القيود التقليدية وتغرس فيهن قيم الاعتماد على الذات وتحقيق الطموحات الشخصية والمهنية.
إن بناء مجتمع عادل يضمن للنساء الحماية من العنف لا يتحقق فقط عبر إصدار القوانين، بل يستوجب أيضا تغييرا جذريا في البنية الاجتماعية والثقافية، بحيث تكسر ثقافة الصمت والاستسلام ويتم استبدالها بثقافة تمكينية تؤمن بأن المرأة ليست فقط ربة منزل بل مواطنة كاملة الحقوق تستحق أن تعيش حياة كريمة خالية من الخوف والتبعية، فجرائم قتل النساء ليست مجرد حوادث فردية معزولة إنما هي مؤشر واضح على اختلال اجتماعي وثقافي عميق يتطلب مواجهة شاملة توازن بين الحزم في تطبيق القانون والتغيير الجذري في العقلية التي تكرس العنف وتمنحه شرعية اجتماعية ضمنية، إذ إن العدالة لا تتحقق فقط بإصدار أحكام صارمة في المحاكم بل تبدأ من بناء وعي مجتمعي يؤمن بأن حياة المرأة ليست أقل شأنا من حياة الرجل وأن أمنها وكرامتها مسؤولية جماعية يتحملها الجميع دون استثناء، بدءا من مؤسسات الدولة مرورا بالمنظومة التربوية والثقافية وصولا إلى الأسرة التي يجب أن تزرع في أبنائها قيم المساواة والاحترام المتبادل.