تعيش تونس في مرحلة تحول عميقة تتعلق بإعادة بناء النظام السياسي والإداري وهو التحول الذي بدأ منذ 2011 واكتمل بتفعيل الدستور الجديد لعام 2022، هذا الدستور لم يكن مجرد وثيقة قانونية تحدد إطار العلاقة بين الدولة والمواطن لكنه كان بمثابة تعبير عن رؤية جديدة للإدارة المحلية تسعى إلى بناء نموذج أكثر عدلا وشفافية يعكس تطلعات المواطنين في مختلف الجهات ويحقق لهم العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، وفي هذا الإطار يأتي القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 المؤرخ في 12 مارس 2025 ليضع الإطار القانوني الذي ينظم مهام وصلاحيات المجالس المحلية، الجهوية والإقليمية إلى جانب المجلس الوطني للجهات والأقاليم ليتمكن النظام اللامركزي من النهوض بالبلاد وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
مقالات ذات صلة:
نحو لامركزية فاعلة تؤسس لتنمية عادلة ومستدامة
رأي: نحو آفاق جديدة لمهرجانات صيفية تكون قاطرة تنموية لامركزية
فضيحة مدوية: عون بالصيدلية المركزية يسرق الأدوية لمدة 10 سنوات والزوجة تكشف المستور
لكن هل يمكن للامركزية أن تكون حقا أداة للتحول المجتمعي أم هي مجرد إعادة توزيع للسلطة؟ هل أن المجالس المحلية، الجهوية والإقليمية تمثل خطوات نحو تحقيق التنمية المتوازنة، أم أنها تظل مجرد أدوات إدارية تكرس الانقسامات بين المناطق؟ وما هو الدور الفعلي الذي يمكن أن تلعبه هذه الهياكل في إرساء العدالة الاجتماعية وتحقيق استدامة التنمية في كافة مناطق البلاد؟
ان إعادة تشكيل السلطة المحلية والجغرافية في تونس هي في جوهرها محاولة لتحرير الفضاء السياسي والإداري من سيطرة المركز، فالدستور الجديد لعام 2022 أرسى أساسا لهذا التحول معتبرا أن التوزيع العادل للموارد واتخاذ القرارات على مستوى قريب من المواطنين هو السبيل الأمثل لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، كما أقر هذا الدستور في فصليه 138 و139 مبادئ أساسية حول اللامركزية ودور المجالس المحلية، الجهوية والإقليمية في تطوير المجتمعات المحلية وتهيئة بيئة أفضل للمواطنين بعيدًا عن القرارات المركزية التي قد تكون بعيدة عن احتياجاتهم اليومية، ولكن كيف يمكن لهذه المجالس مع ما تم من تطوير هياكلها القانونية والإدارية أن تساهم في تشكيل الهوية الوطنية لتونس من خلال التنمية المحلية؟
الجواب على هذا السؤال يكمن في أن هذه المجالس يجب أن تكون بمثابة نماذج مصغرة للديمقراطية التشاركية، اذ إن المجالس المحلية التي تتولى المهام على مستوى البلديات ليست مجرد أجهزة تنفيذية عادية إنما هي حجر الزاوية في تحقيق الحوكمة المحلية، ففيها يتم تحديد المشاريع الأساسية التي تعنى بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين مثل توفير الماء الصالح للشرب، تحسين خدمات النقل، ضمان الأمن والنظافة؛ وبهذا فإن هذه المجالس تمثل أكثر من مجرد سلطة إدارية بل هي القناة الأساسية التي يتم من خلالها تفعيل الديمقراطية المحلية من خلال الاستماع لاحتياجات الناس مباشرة واتخاذ القرارات المناسبة بناءً عليها.
ومع ذلك، هل يكفي أن تمنح المجالس المحلية صلاحيات أكبر لتكون فاعلة في تحقيق التنمية؟ وما هي العوائق التي تحول دون نجاح هذه المجالس في تأدية دورها؟ الواقع أن هذه المجالس رغم المهام المنوطة بها تعاني من تحديات اقتصادية وإدارية هائلة، فالتحدي الأول يتمثل في محدودية الموارد المالية التي يمكن أن توجه إليها خاصة في البلديات التي تعاني من ضعف في الميزانيات المخصصة لها، وهذا الضعف في التمويل يحد من قدرة المجالس على تنفيذ المشاريع الكبرى التي تحتاجها المجتمعات المحلية مثل تحسين البنية التحتية أو تطوير المرافق العامة، فهل هذه الهيئات تمتلك الآليات اللازمة لمواجهة هذه التحديات؟ أم أن الحكومات المحلية مازالت غير قادرة على توفير ما يكفي من تمويل داخلي أو دعم خارجي لتنفيذ سياسات تنموية حقيقية؟
أما بالنسبة للمجالس الجهوية، فإنها تمثل خطوة نحو تنسيق أكبر بين البلديات المختلفة وتعمل على تنفيذ المشاريع التنموية ذات الطابع الإقليمي، اذ تتمثل مهامها في تحديد الأولويات التنموية على مستوى الولاية وتنفيذ المشاريع التي تؤثر على عدة بلديات في نفس الوقت مثل بناء الطرقات، تحديث المستشفيات الجهوية وتحسين التعليم في المؤسسات التربوية، ولكن كما هو الحال مع المجالس المحلية تواجه بدورها تحديات مالية وإدارية كبيرة وقد تكون مشكلة التمويل على مستوى المجلس الجهوي أقل تعقيدا من البلديات ولكنها تظل مشكلة حيوية، فهل هذه المجالس رغم قدرتها على تخصيص الموارد قادرة على إجراء التنسيق الفعال بين مختلف البلديات في الولاية لتحقيق التكامل التنموي بين مختلف المناطق؟ وهل تنجح في التوفيق بين مختلف الاحتياجات التنموية المتنوعة في كل منطقة؟
أما المجالس الإقليمية، فهي تمثل المستوى الأعلى من التنسيق التنموي بين الولايات المتجاورة، هذه المجالس تعد أداة لتطوير مشاريع مشتركة بين عدة ولايات مثل مشاريع البنية التحتية الكبرى أو المشروعات الصناعية التي تتطلب تكامل الجهود بين أكثر من جهة، فعلى سبيل المثال يمكن أن تشارك هذه المجالس في مشاريع مائية كبرى أو في بناء شبكات طرقات سريعة تربط عدة مناطق، ولعل السؤال الأكثر إلحاحا هنا هو هل يمكن للمجالس الإقليمية أن تمثل إطارا لتجاوز التفاوتات الكبيرة بين الجهات الداخلية؟ أم أنها ستظل مجرد وسيلة للتنسيق بين الولايات دون أن تحقق التغيير الجذري في أوضاع المناطق الأكثر فقراً؟
ومن هنا، يأتي دور المجلس الوطني للجهات والأقاليم، باعتباره أعلى هيئة تشريعية تمثل هذه المجالس، اذ انه يلعب دورا أساسيا في ربط الهياكل الجهوية والإقليمية بالسلطة المركزية حيث يسهم في تحديد استراتيجيات التنمية الكبرى ويتابع تنفيذها، وقد تكون فكرة المجلس الوطني ملهمة على مستوى التنسيق بين الجهات ولكن يبقى دائما السؤال المطروح، هل يتمكن هذا المجلس من إدارة الخلافات السياسية والإدارية بين الجهات؟ هل بإمكانه ضمان تمويل المشاريع الكبرى بشكل فعال خاصة في ظل التحديات المالية التي تواجهها البلاد؟
إذا كانت هذه الهيئات تمثل الأمل في تحقيق تنمية شاملة ومتوازنة بين مختلف مناطق تونس فإنها تبقى بحاجة إلى دعم حقيقي من الدولة سواء على الصعيد المالي أو الإداري، ولكن هل يكفي أن يتم تمويل هذه المجالس بالموارد المالية لتنجح في أداء مهامها؟ هل يجب أن تعطى هذه المجالس أدوات رقابة وتحكم أقوى لمراقبة صرف الأموال وتنفيذ المشاريع؟
هذا وتعتبر قدرة أعضاء المجالس المحلية، الجهوية والإقليمية على المراقبة والتسيير من العوامل الأساسية التي تحدد نجاح أو فشل نظام الحكم المحلي في تونس، فهذه المجالس التي تتمتع بصلاحيات واسعة تتعلق بإدارة الشأن المحلي تبقى رهينة لمدى قدرة أعضائها على فهم المهام الموكلة إليهم وكيفية متابعتها بفعالية، فالمراقبة الفعالة للمشاريع التنموية، التنسيق بين الهيئات، وتقييم الأداء، كلها عوامل حيوية تساهم بشكل كبير في تحقيق التنمية المستدامة.
ومع ذلك، هل يمتلك أعضاء المجالس المحلية والجهوية والإقليمية الإمكانيات الكافية للقيام بأدوارهم على أكمل وجه؟ وهل هم مجهزون بالمعرفة والأدوات الضرورية لممارسة مهامهم بكفاءة؟ للأسف، تبقى هذه الأسئلة محاطة بالكثير من التحديات، فالمجالس في العديد من البلديات والمناطق قد تعاني من نقص في الكفاءات التخصصية وهو ما يعرقل قدرتها على متابعة المشاريع بشكل مستمر واتخاذ القرارات السليمة في الوقت المناسب.
من هنا، يصبح التكوين والتدريب المستمر لأعضاء هذه المجالس أمرا بالغ الأهمية، فهل تكفي الدورات التدريبية للمواكبة المستمرة لضمان تجهيز الأعضاء بالمعرفة اللازمة؟ الجواب يكمن في ضرورة أن يتجاوز التكوين الإطار الإداري التقليدي ليشمل جوانب فنية وتخصصية تتعلق بالمالية العامة، التخطيط الاستراتيجي، وإدارة المشاريع، فالإلمام بهذه المواضيع لا يسهم فقط في تحسين قدرة الأعضاء على مراقبة الأموال العامة بل أيضا في تعزيز قدرتهم على وقف الفساد وتحقيق التوازن بين التنمية المحلية واحتياجات المواطنين.
وفيما يخص علاقة المجالس المحلية والإقليمية مع باقي المؤسسات الحكومية، فإن التنسيق بين هذه المجالس والمؤسسات التنفيذية الأخرى يشكل تحديا إضافيا، فكيف يمكن لهذه المجالس التي قد تكون حديثة العهد في بعض الأحيان التعامل مع أجهزة حكومية ذات سلطات أوسع مثل الوزارات والمؤسسات المركزية؟ اذ إن التنسيق بين هذه الهيئات يظل مسألة معقدة في ظل التفاوتات في الصلاحيات والموارد، فهل المجالس المحلية مستعدة حقا لتفعيل هذا التنسيق والتعامل مع المؤسسات المركزية بنفس المنهج الذي يتبعه المركز؟ إن الجواب هنا يكمن في ضرورة وضع آليات واضحة للتواصل والتنسيق بين مختلف هذه الهيئات لضمان استجابة سريعة وفعالة لاحتياجات الجهات المحلية.
كما وان أعضاء المجالس يجب أن يتحلوا أيضا بروح الاستعجال في اتخاذ القرارات خاصة في الظروف التي تتطلب استجابة فورية مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاجتماعية، ولكن الاستعجال في اتخاذ القرار يجب أن لا يأتي على حساب الجودة أو الدقة في التنفيذ، لذا يبقى التحدي الأكبر في إيجاد توازن بين سرعة الأداء وجودة التنفيذ وهو ما يتطلب توفير تكوين مستمر وتقديم موارد بشرية مؤهلة تستطيع التكيف مع المتغيرات السريعة.
في الختام، تبقى القدرة على المراقبة الفعالة والتسيير السليم من أبرز المؤشرات التي تحدد نجاح النظام اللامركزي في تونس، فهذه المجالس التي تتمتع بصلاحيات واسعة تتعلق بإدارة الشأن المحلي تعد حجر الزاوية لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة في مختلف المناطق، ولتحقيق ذلك يصبح من الضروري أن يتمكن الأعضاء من متابعة المهام بكفاءة وهو ما يتطلب تكوينا مستمرا وتوفير بيئة مؤسساتية تدعم التنسيق الجيد مع باقي الهيئات، إذ أن المراقبة الفعالة للمشاريع التنموية والتنسيق بين الهيئات وتقييم الأداء تشكل عوامل حيوية تساهم بشكل كبير في دفع عجلة التنمية نحو الأمام.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن نجاح هذا النظام يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى قدرة المجالس المحلية على تحديد الأولويات التنموية وتنسيق الجهود بين السلطات المحلية، الجهوية والإقليمية، فهل يمكن لتونس أن تحقق هذا التوازن بين السلطة المركزية والمحلية؟ وكيف يمكن للمجالس المحلية أن تتعامل مع التحديات الحالية التي تواجهها من نقص في الكفاءات وقلة التنسيق مع المؤسسات المركزية؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب إعادة التفكير في كيفية توزيع الموارد والسلطات بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة في مختلف المناطق، فإذا تم ضمان بيئة مؤسساتية تحفز التنسيق الجيد بين مختلف الهيئات، فإن المجالس المحلية ستتمكن من لعب دور محوري في تحقيق التوازن بين الاحتياجات المحلية وبين السياسات المركزية، وبالتالي يكون التحدي الأكبر في الموازنة بين السرعة في اتخاذ القرار والجودة في التنفيذ من أجل خلق بيئة قادرة على التكيف مع المتغيرات المستمرة وتقديم الحلول الأمثل.