الإدارة التونسية بوصفها تجسيدا لمفهوم الدولة الحديثة يفترض أن تكون أداة لتحقيق النجاعة والعدالة في التعامل مع المواطنين لا أن تتحول إلى عائق بيروقراطي يمارس عليهم أشكالا متعددة من التعطيل والتعسف، غير أن الواقع يشير إلى تفشي ظواهر خطيرةمنها التخاذل في قضاء شؤون المواطنين والتعمد في عرقلتهم وصولا إلى التجاوزات اللفظية التي تمس من كرامتهم، ط مما يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمدى احترام المبادئ القانونية المنظمة لسير المرفق العام ومدى فاعلية الآليات القانونية في التصدي لمثل هذه الانحرافات ؟
مقالات ذات صلة:
جدلية البناء والتحديات بين المواطنة والدولة الحديثة
صراع الإرادة والإصلاح في تونس بين الثورة والدولة العميقة
وبالعودة إلى الإطار القانوني الناظم لسير المرافق العامة نجد أن القانون التونسي بمختلف مستوياته يحدد الأسس العامة التي يفترض أن تقوم عليها الإدارة والتي تشمل استمرارية الخدمة العامة ومساواة المواطنين أمام الإدارة وضمان حسن الأداء الإداري، فالفصل 38 من الدستور التونسي يؤكد أن "المرافق العمومية تضمن حيادها وسيرها الدائم والمنتظم وتؤمن استمرارية إسداء الخدمات للمواطنين طبق مبادئ الإنصاف والشفافية والنزاهة والنجاعة"، كما أن مجلة الالتزامات والعقود ومجلة الإجراءات الإدارية والتصرف في الوثائق الإدارية تتضمن أحكامًا تنظم العلاقة بين الإدارة والمتعاملين معها مما يعكس إرادة المشرع في تكريس مفهوم الإدارة في خدمة المواطن لا العكس؛ ومع ذلك، فإن هذا الإطار القانوني رغم صلابته نظريا يظل معطلا في الواقع إذ تصطدم مقتضياته بعدة عراقيل منها غياب آليات ردع ناجعة وافتقار الإدارة إلى ثقافة احترام القانون داخل هياكلها الأمر الذي أدى إلى تغليب المصالح الضيقة لبعض الفئات داخلها على حساب حقوق المواطنين.
وانطلاقا من هذه الإشكاليات، تبرز مسألة الانحرافات الإدارية والمسؤولية القانونية للموظفين، إذ إن العون الإداري عندما يتحول من موظف مكلف بإنجاز المصلحة العامة إلى طرف في عرقلة مصالح المواطن، فإن ذلك لا يشكل مجرد إخلال مهني بل يرتقي إلى جريمة قانونية تستوجب المساءلة، فمجلة الوظيفة العمومية تضبط واجبات الموظف العمومي التي تشمل أداء المهام بأمانة، واحترام المواطن، والالتزام بمقتضيات المصلحة العامة، ويترتب على الإخلال بهذه الواجبات جزاءات تأديبية قد تصل إلى العزل، كما أن بعض الأفعال قد ترقى إلى مستوى الجريمة الجزائية؛ ومن ذلك أن الامتناع المتعمد عن إسداء خدمة إدارية دون موجب قانوني يمكن أن يصنف ضمن جريمة "الإخلال بواجبات الوظيفة" وهو فعل يعاقب عليه الفصل 96 من المجلة الجزائية بالسجن والعزل من الوظيفة إذا ثبت أن الموظف تعمد الإضرار بمصالح المواطنين، أما الاعتداء اللفظي كالسب والشتم، فإنه يشكل جريمة قائمة الذات يعاقب عليها القانون وفقا للفصل 245 من المجلة الجزائية الذي يجرّم الثلب والفصل 246 الذي يجرّم القذف العلني.
غير أن هذه الأحكام رغم وضوحها تظل في أغلب الأحيان غير مفعلة، إذ يواجه تطبيقها عدة إشكالات عملية لعل أبرزها أن تجاوزات الموظفين غالبا ما يتم التستر عليها داخل الإدارات سواء بسبب تضامن غير مبرر بين الموظفين أو نتيجة غياب آليات رقابية فعالة تتيح محاسبة الأعوان الذين يسيئون استعمال سلطتهم، وحتى في الحالات التي يبادر فيها المواطنون برفع شكاوى فإن بطء الإجراءات الإدارية والقضائية يجعل من الإنصاف الفوري أمرا بعيد المنال مما يعزز الشعور بالإفلات من العقاب ويدفع المواطن إلى فقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها.
وتأسيسا على ما سبق، فإن هذه الممارسات لا تنعكس فقط على المستوى الإداري، بل تخلف تداعيات سياسية واجتماعية أعمق حيث إن الإدارة ليست مجرد جهاز تنفيذي بل هي الواجهة الأولى التي يتعامل معها المواطن يوميا، ولذلك فإن أي خلل في أدائها ينعكس مباشرة على صورة الدولة ومدى احترامها لحقوق الأفراد، فحين يجد المواطن نفسه مضطرا إلى التوسل أو البحث عن وساطات لقضاء أبسط شؤونه فإنه يشعر بأن مفهوم الدولة العادلة والمنصفة هو مجرد شعار نظري، وحين يهان داخل مكاتب الإدارات العمومية من قبل موظفين يفترض أنهم في خدمته فإنه يستبطن قناعة بأن السلطة لا تحترمه مما يولد حالة من الغضب الاجتماعي قد تتجلى في أشكال متعددة منها العزوف عن التعامل مع الدولة أو حتى التوجه إلى وسائل غير قانونية لقضاء شؤونه؛ وبالتالي، فإن هذا الوضع يشكل تهديدا جديا لاستقرار الدولة لأن الإدارة في نهاية المطاف هي إحدى ركائز العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالسلطة، وكلما كانت الإدارة منحازة للمواطن كلما تعزز شعوره بالانتماء والثقة في مؤسسات الدولة، أما حين تتحول إلى عائق أو مصدر إهانة فإن ذلك يفتح الباب أمام نزعات احتجاجية غير مؤطرة قد تتحول إلى حالة تمرد مجتمعي غير محسوبة العواقب.
ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح الإدارة التونسية لا يمكن أن يتم بمجرد إدخال تعديلات قانونية شكلية، بل يحتاج إلى مقاربة متكاملة تشمل محاور متعددة، أولها ضرورة تفعيل الرقابة الداخلية داخل المؤسسات العمومية بحيث يتم إلزام كل إدارة بوضع آليات لمراقبة سلوك موظفيها والتدخل الفوري عند وجود تجاوزات؛ وثانيها، وجوب تسهيل إجراءات التظلم للمواطنين عبر توفير منصات إلكترونية وشكاوى فورية تنظر فيها في آجال قصيرة مع فرض عقوبات زجرية على كل من يثبت تورطه في الإخلال بواجباته؛ وثالثها، مراجعة المنظومة التأديبية داخل الوظيفة العمومية بحيث تصبح أكثر صرامة في التعامل مع من يسيئون استعمال سلطتهم أو يخلون بواجباتهم المهنية.
ولكي يكون هذا الإصلاح أكثر نجاعة، فإنه لا بد من تعزيز الدور القضائي في مواجهة هذه التجاوزات إذ يتعين على النيابة العمومية أن تتحرك تلقائيا ضد الموظفين الذين تصدر عنهم ممارسات تمس من كرامة المواطن دون الحاجة إلى انتظار تقديم شكاوى لأن هذه الانتهاكات ليست مجرد مسائل شخصية بل هي اعتداء على هيبة الدولة نفسها، كما يجب إعادة النظر في العقوبات المسلطة على الموظفين المخالفين بحيث تكون ذات أثر رادع حقيقي بدل أن تكون مجرد إجراءات شكلية لا تمنع تكرار التجاوزات.
وبناء على كل ما سبق، فإن الإدارة التونسية اليوم أمام مفترق طرق حاسم فإما أن تتحول إلى أداة حقيقية لخدمة المواطن وتعزيز سيادة القانون أو تبقى عالقة في مستنقع البيروقراطية والعقليات المتكلسة التي تجعل منها عبئا على الدولة بدل أن تكون رافدا لاستقرارها، والإصلاح في هذا السياق لا يتطلب فقط قرارات سياسية جريئة بل يستوجب تغييرا جذريا في الثقافة الإدارية بحيث يتم ترسيخ فكرة أن الموظف العمومي هو في خدمة المواطن وليس العكس، فحين يدرك كل عون إداري أن موقعه ليس امتيازا بل مسؤولية وحين يصبح احترام المواطن قاعدة لا استثناء عندها فقط يمكن الحديث عن دولة تقوم بالتكفل الامثل بانشغالات المواطنين ومتطلباتهم اليومية بعيدا عن كل أشكال اللامبالاة.