أصدرت الدولة التونسية في سنة 2025 الأمرين عدد 177 و178، في خطوة قانونية هامة تهدف إلى إعادة هيكلة المجالس المحلية وتنظيم عملها بشكل يحقق توازنا بين التمثيل المحلي والتنفيذ الفعلي للقرارات، يعد هذان الأمران ليسا مجرد تعديلات إدارية إشارات واضحة لتحول جوهري في الفلسفة القانونية والعملية لتوزيع السلطة بين المركز والمجالس المحلية وذلك من خلال تعزيز دور المجالس المنتخبة ليس فقط في التشريع إنما في ممارسة السلطة الفعلية في ميدان الحكم المحلي.
مقالات ذات صلة:
الحكم المحلي في تونس بين مبادئ الدستور وإشكاليات التطبيق
إن الأمر عدد 177 يعكس تطورا قانونيا في إدارة العلاقات بين الدولة ومكونات المجتمع المحلي، ذلك أنه لا يقتصر على تنظيم شكل عمل المجالس المحلية لكنه يعيد هيكلة العلاقة بينها وبين المواطنين ويؤسس لمرحلة جديدة من المحاسبة الفعلية بعيدا عن الشكلية المعتادة التي كانت تميز الفترات السابقة، ويخلق هذا الأمر إطارا قانونيا يؤسس لتوزيع دقيق للمهام والصلاحيات بين المؤسسات المحلية ويضمن مأسسة دور هذه المجالس في اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بالشأن المحلي مما يحول الجلسات الدورية من مجرد محطات إدارية إلى لحظات محورية يتخذ خلالها القرار الذي يحدد مصير المجتمعات المحلية.
أما الأمر عدد 178، فقد جاء في إطار تكملة هذا التحول حيث يتناول تنظيم المنح المالية للأعضاء المحليين وهو عنصر بالغ الأهمية لضمان فاعلية المجالس المحلية، إذ لا يمكن تصور نجاح هذا الإصلاح دون توفير الحوافز القانونية التي تضمن للأعضاء المحليين القدرة على أداء مهامهم بفاعلية وحمايتهم من استغلال الصلاحيات في إطار محاصصة أو منطق سياسي ضيق، فمنحة الـ800 دينار التي تم تحديدها إلى جانب منح الحضور ليست مجرد إكرامية أو امتياز لكن هي تصحيح لوضعية قانونية شابتها العديد من الثغرات القانونية التي جعلت الأعضاء يعملون في ظل ظروف قانونية غير عادلة، فهذه المنحة تمثل أحد أسس إرساء العدالة القانونية والمساواة بين الأعضاء المحليين.
لكن هذه الخطوات، وإن كانت تحمل في طياتها نوايا قانونية طيبة إلا أنها محفوفة بعدد من المخاطر القانونية التي قد تؤثر في تحقيق أهدافها على المدى الطويل، إذ تكمن إحدى هذه المخاطر في تحول المنحة المالية إلى غاية بحد ذاتها بدلا من أن تكون حافزا لتحقيق الفاعلية، وإذا تحول الحضور إلى العنصر الأساسي لتحديد الاستحقاق فإن هذا قد يشجع على الانشغال بالشكل دون المضمون مما يؤدي إلى غياب الممارسة الفعالة التي تضمن تحقيق الأهداف القانونية للمجالس، ووفقا لهذا قد يؤدي هذا الوضع إلى تجدد ظاهرة البيروقراطية التي عانت منها العديد من المؤسسات المحلية.
إضافة إلى ذلك، فإن غياب آليات قانونية دقيقة لقياس الأداء قد يعرض الإصلاحات للمخاطر نفسها التي تعرضت لها محاولات سابقة لتفعيل آليات المساءلة في المؤسسات الحكومية، فالربط بين المنح والحضور فقط لا يعد كافيا لضمان تحقيق الفاعلية بل يجب أن يضاف إليه تقييم حقيقي للأداء يشمل نوعية التدخلات، مستوى المسؤولية القانونية، ومدى تجاوب الأعضاء مع الاحتياجات القانونية والمجتمعية للمناطق التي يمثلونها، وهذا يتطلب بلا شك إرساء نظام قانوني يتسم بالشفافية والمهنية في تقديم التقييمات.
ولإزالة هذه المخاطر، لا بد من وضع آليات قانونية تضمن ارتباط الحقوق بالإنجازات وليس بالشكل،اذ لابد من أن يَحظى الأعضاء بتدريب مستمر في القوانين المحلية وفي الإدارة العامة بحيث لا يمنح الأعضاء استحقاقاتهم المالية إلا بعد اجتياز اختبارات أو دورات تأهيلية في مجالات القانون والإدارة المحلية مما يساهم في تكوين عنصر بشري قانوني قادر على مواجهة التحديات المحلية بفاعلية.
كما أنه من الضروري تعزيز آليات الرقابة والمحاسبة القانونية التي تشمل نشر تقارير سنوية تحدد أداء المجالس المحلية بشكل دقيق وشفاف وتتيح للعموم الاطلاع على القرارات المتخذة والمشاريع المنجزة بحيث لا تظل هذه المجالس مجرد أدوات للتنفيذ إلا انها تتحول إلى وحدات قانونية مسئولة تساهم في صناعة القرار بشكل فعال على نحو يتماشى مع تطلعات المواطنين واحتياجاتهم، كما ينبغي لهذه التقارير أن تقدم مؤشرات قانونية دقيقة عن مدى نجاح المجالس في تنفيذ المشاريع مقارنة بالميزانية المتاحة ما يعزز من مبدأ المساءلة المجتمعية.
إذا كان من الممكن تسليط الضوء على القيمة القانونية للأمرين عدد 177 و178 فهي لا تكمن فقط في النصوص القانونية التي تحتوي عليها هذه الأوامر إنما في التحول الجوهري الذي تعدان به منها إعادة توزيع السلطة بين المركز والمجالس المحلية بحيث تدمج هذه المجالس في عملية اتخاذ القرار الوطني بشكل مؤثر وحيوي، إذ إن هذه الإصلاحات تؤسس لمرحلة قانونية جديدة ترتكز على فكرة اللامركزية الفعلية حيث تصبح المجالس المحلية هي القوة الدافعة نحو التنمية المحلية الفعالة.
في النهاية، لا يمكن اعتبار هذين النصين التشريعيين بداية النهاية بل هما مجرد بداية لطريق طويل يتطلب مواصلة العمل على استكمال الإصلاحات القانونية، فلابد من تطوير النظام الرقابي والمحاسبي على المستوى المحلي وتطوير آليات متابعة دقيقة في تقييم الأداء بما يضمن أن هذه النصوص لا تتحول إلى عبء بيروقراطي جديد لكنها تصبح خطوة حقيقية نحو تمكين المجالس المحلية من ممارسة دورها التشريعي والتنفيذي بشكل يتماشى مع تطلعات المواطنين.
إن الانتقال من مرحلة النصوص القانونية إلى مرحلة التطبيق الفعلي هو التحدي الأبرز، فالمواطنون لن يشعروا بأي تغير حقيقي ما لم يترجم الإصلاح القانوني إلى واقع عملي ملموس يتمثل في قرارات محلية تترجم إلى مشاريع تنموية وفي مجتمعات تشعر بأن مشاركة ممثليها المحليين ليست مجرد عبث إداري بل هي عملية محورية نحو تحسين نوعية حياتهم اليومية، وبالتالي يظل النجاح الحقيقي لهذه الإصلاحات مرهونا بقدرة الدولة على تحويل النصوص القانونية إلى أدوات فاعلة تؤدي دورها بكفاءة وفعالية.