في مدينة سوسة، حيث تتقاطع الأمواج مع ضفاف الحجارة العتيقة وحيث يحمل الهواء عبق التاريخ الممتزج بنبض الحاضر تنطلق مبادرة ليست كغيرها، مهرجان النقد العربي المزمع انعقاده في 14 و15 فبراير 2025 من تنظيم السيدة ابتسام الخميري رئيسة جمعية التسامح الابداع الثقافي، لا يقف عند كونه حدثا ثقافيا عابرا، بل هو لحظة تأسيسية تسعى لتجديد العلاقة بين الإنسان والفكرة وبين المكان والزمن.
مقالات ذات صلة:
البنك المركزي التونسي يثبت نسبة الفائدة المديرية عند 8% مع استمرار السياسة النقدية الحذرة
اختتام اجتماعات الخريف السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين: تعزيز دور إفريقيا وتوسع العضوية
إن اختيار مدينة سوسة لا ينفصل عن سياق رمزي عميق، فالمدينة ليست مجرد جغرافيا صامتة أو إرث معماري محفوظ في أروقة المتاحف، بل هي كيان حي يعكس صراعات الإنسان وسعيه المستمر لإثبات وجوده، فأزقتها الضيقة تتنفس عبق القرون الماضية وجدرانها تروي قصصا تخطت حدود الزمن، زمن هنا تصبح سوسة شريكا خفيا في الحوار، حاضرة كفضاء يربط بين فكر الإنسان وذاكرة المكان وكأنها مرآة يرى فيها المشاركون وجوه أسلافهم وأحلام أحفادهم.
على هذا الأساس، يأتي النقد في سياق المهرجان كفعل يغاير ما اعتدنا عليه، فهو ليس مجرد تحليل لواقع أو تفكيك لمسلمات، بل هو عملية عميقة تسعى لتجاوز السطح واختراق طبقات الوعي المغلفة بالاعتياد، فهو فعل استكشافي غايته أن يعيد الإنسان قراءة ذاته لا ككيان منفصل، بل كجزء من شبكة معقدة تربطه بالمكان والزمان والآخر. إنه دعوة لأن يتحول السؤال إلى أداة لاستنطاق المعنى الكامن وراء الوجود حيث لا تقدم الإجابات كنهايات، بل كبدايات لمسارات جديدة من البحث والتأمل.
وعلى هذا النحو، فإن الأنشطة المرافقة للمهرجان كالجولات في المدينة القديمة وزيارات المتحف الأثري ليست مجرد إضافات ترفيهية، بل هي محطات تأملية يتجلى فيها الحوار بين الإنسان والمكان، ففي هذه اللحظات تتحول الحجارة الصامتة إلى شهود على تاريخ الإنسان تروي حكاياته وتسائله عن حاضره ومستقبله، وهنا يكتشف المشاركون أن المكان ليس خلفية صامتة لوجودهم، بل شريك حي يعيد تشكيل فهمهم للعالم.
لكن، في ظل كل هذا لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجه الفعل الثقافي، فالظروف المادية التي حالت دون توفير الإقامة المجانية للمشاركين تعكس واقعا أوسع يتمثل في صراعات الفكر مع القيود المفروضة عليه، ومع ذلك فإن المهرجان بتقديمه خيارات إقامة بأسعار رمزية يؤكد أن الفكر يمكنه أن يتجاوز هذه القيود وأن الثقافة قادرة على البقاء والمقاومة حتى في أحلك الظروف، فهذا الإصرار ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو بيان رمزي يعبر عن أن الثقافة ليست امتيازا، بل هي ضرورة إنسانية تتحدى كل الحواجز.
وعليه، فإن المهرجان يتحول إلى أكثر من مجرد حدث ثقافي فهو لحظة انكشاف للإنسان حيث يتوقف الزمن ليواجه الإنسان ذاته ويسائل أفكاره وقناعاته، كما وانه ليس مساحة للإجابات الجاهزة، بل فضاء للتساؤل حيث يطرح السؤال لا كعبء، بل كنافذة تفتح على احتمالات غير محدودة.
في النهاية، يضع مهرجان النقد العربي الإنسان أمام مسؤولية كبرى أن يعيد تعريف ذاته من خلال الفعل النقدي، فهو دعوة مضمنة لأن يستعيد الإنسان علاقته بالعالم من حوله ليس كمتفرج، بل كفاعل يعيد تشكيل الواقع، وبين أزقة سوسة القديمة وصدى الأفكار المتبادلة سيتتجلى المعنى الحقيقي أن النقد هو رحلة دائمة نحو العمق فحيث يبدأ البحث عن الذات تبدأ حكاية الإنسان من جديد.