ما جدوى أن تفام المهرجانات الثقافية إن كانت بلا أثر؟ وما معنى أن يحتفي المثقفون بالإبداع إن كان محاصرا باللامبالاة الرسمية؟ كيف يمكن للثقافة أن تصنع وعيًا جمعيا، إذا كانت هي ذاتها ضحية تهميش ممنهج؟ أسئلة جوهرية يطرحها الواقع الثقافي في تونس اليوم، في ظل سياسات تتعامل مع الثقافة كترف لا كمحرك للتغيير، وقد جاء مهرجان النقد العربي للثقافة والإبداع في دورته الثانية ليكشف بوضوح هذا التناقض، حيث اصطدم الفعل الثقافي بواقع متصلب، يضيق على المبادرات الجادة، ويقابل الإبداع بالصمت، أو في أحسن الأحوال، بالفتات.
مقالات ذات صلة:
الأيام التنشيطية الموجهة للأطفال والشباب" في دار الثقافة بني حسان
رحيل أحمد حاذق العرف: خسارة فادحة لعالم الثقافة والفكر في تونس
لم يكن اختيار "التسامح في الكتابات النسائية والموجّهة للطفل" عنوانا للمهرجان مجرد ترف فكري، بل محاولة لفتح جبهة نقاش حول دور الأدب في بناء القيم الإنسانية، ومواجهة العنف الرمزي والمادي المسلّط على الفكر الحر، فقد استقطبت الجلسات العلمية كوكبة من الأكاديميين والأدباء من تونس والعالم العربي، تناولوا فيها قضايا الجندر، والهوية السردية، والتصوير الأدبي، في مسعى لاكتشاف كيف يمكن للأدب أن يواجه نزعات الإقصاء والتطرف، ويؤسّس لمساحة أرحب من الحوار والتفاعل الثقافي.
ليفتتح المهرجان يوم الجمعة 14 فيفري 2025 بدار الثقافة أكودة بسوسة، بحضور ممثلي السفارة الفلسطينية، وفعاليات تكريمية للشاعر والمخرج الراحل فتحي الساسي، تبعها معرض تشكيلي بعنوان "لأجل فلسطين"، جسد نضالات الشعب الفلسطيني، وعكس روح المهرجان التي تقوم على الالتزام بالقضايا العادلة، كما شهد اليوم الأول قراءات شعرية ثنائية جمعت بين أصوات شعرية من تونس والجزائر وسلطنة عمان، في محاولة لتجسيد فكرة التلاقح الثقافي العربي.
أما يوم السبت، فقد انطلقت ورشات الكتابة الإبداعية الموجهة للكبار والأطفال، تلاها عرض مسرحي احتجاجي بعنوان "أشلاء المسافة الصفر" لنزار الكشو، الذي قدم رؤية بصرية جريئة حول العنف والتسامح، في مواجهة مباشرة مع الواقع السياسي والاجتماعي العربي، وتواصلت الجلسات العلمية، حيث قدم الباحثون قراءات نقدية معمقة حول قضايا الجندر، وأثر الخطاب الأدبي في تكوين الهوية الفردية والجماعية، قبل أن تختتم الفعاليات المسائية بعرض أزياء جزائري عراقي جمع بين التراث والفن المعاصر.
وفي اليوم الختامي، الأحد 16 فيفري، تم تقديم عرض حكائي بعنوان "رسائل غيبية إلى نساء العالم"، تلته شهادات حية لأدباء حول تجاربهم في الكتابة والمقاومة الثقافية، ليختتم المهرجان بتوزيع دروع التكريم، وإعلان توصيات تلخص الرهانات الثقافية الراهنة، في محاولة لوضع استراتيجيات مستقبلية أكثر فاعلية.
رغم جدية الطرح، لم يحظ المهرجان بأي دعم يذكر، بل على العكس، واجه عراقيل متعددة، بدءا من غياب التغطية الإعلامية خاصة حضوريا، مرورا بعدم الاهتمام الرسمي، وصولا إلى ضعف الإمكانيات اللوجستية، وكأن الثقافة الجادة باتت عبئا على المنظومة، أو كأن الفعل النقدي يجب أن يبقى حبيس الصالونات المغلقة، دون أن يتحول إلى قوة تغييرية تهدد السائد.
ليس هذا جديدا، فلطالما عانت الثقافة في تونس من نظرة سلطوية اختزلتها في مهرجانات شكلية، وجوائز بروتوكولية، وخطابات مكررة، أما حين يكون الفعل الثقافي جادا، وحين يتجاوز المجاملات ليطرح إشكالات حقيقية، فإنه يواجه التجاهل، أو حتى العرقلة، وهنا السؤال الأهم، هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل سياسات لا ترى فيها سوى أداة ديكور؟ وكيف يمكن الحديث عن مشروع ثقافي وطني، إذا كانت الفضاءات المستقلة هي وحدها التي تتحمّل مسؤولية الفعل الثقافي؟
في مقابل هذا التجاهل الرسمي، كان هناك حضور عربي مكثف، وخاصة من الجزائر، التي أثبت مثقفوها مرة أخرى أن الحدود السياسية لا تعني شيئا أمام الروابط الفكرية، فلقد كانوا الأكثر دعما، والأكثر مشاركة، والأكثر انسجاما مع روح المهرجان، في مشهد يعيد التأكيد على أن الثقافة الحقيقية لا تعترف بالجغرافيا، بل تنتمي إلى من يحملها بصدق.
هذا الدعم لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل موقف يعكس التزاما حقيقيا بضرورة خلق فضاءات فكرية بديلة، بعيدا عن هيمنة المؤسسات الرسمية التي لم تعد ترى في الثقافة سوى عبء إداري، فكيف لدولة تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية أن تتجاهل دور الثقافة في بناء وعي جمعي قادر على مواجهة هذه الأزمات؟ وأين موقع المثقف وسط كل هذا الخراب، إذا كان مجرّد شاهد على التهميش، بدل أن يكون فاعلًا في تغييره؟
انتهت فعاليات المهرجان بنجاح، لكن التساؤلات التي طرحتها لا تزال مفتوحة، إن رفض هذا الحدث من قبل الجهات الرسمية لم يكن سوى نموذج من معركة أكبر تخاض يوميا ضد كل فعل ثقافي مستقل، هذه المعركة ليست فقط بين المثقف والسلطة، بل بين رؤيتين واحدة ترى في الثقافة مجرد زينة للخطابات السياسية، وأخرى تؤمن بأنها أداة حقيقية للتحرّر والتغيير.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم هل يمكن للثقافة أن تنتصر في معركة كهذه؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تكمن في استمرار المحاولة، في الإصرار على أن تكون الكلمة أقوى من الصمت، وفي أن يظل المثقف، رغم كل شيء، حاملا لمشروعه النقدي، حتى لو أغلقت في وجهه كل الأبواب.