في قلب الحراك الثقافي التونسي، حيث يتداخل التاريخ مع الحاضر وتتصارع الهوية مع العولمة تظهر مبادرة المركز الوطني للإتصال الثقافي تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية كإشارة مضيئة نحو بناء فهم معمق للهوية الوطنية التونسية، "دراسات ثقافية" هو مشروع طموح يفتح أبوابه أمام الباحثين والمثقفين ليتناولوا مجموعة من المواضيع التي تشكل معالم الهوية الثقافية التونسية في محاولة لتوثيق المعرفة والنقد الثقافي الذي يمكن أن يسهم في إعادة صياغة هذا الكيان الثقافي.
مقالات ذات صلة:
طريقة طهو البيض المثالية: دراسة تكشف عن تقنية جديدة للحفاظ على الطعم والقيمة الغذائية
في البداية، لا يمكننا الحديث عن الثقافة الوطنية بمعزل عن تاريخها الطويل الذي يتجسد في معالم تاريخية وأعلام ثقافية شكلت الصورة التي نراها اليوم، ففي كل زاوية من زوايا تونس نرى آثارا تتحدث عن ماض مجيد، ماض يمتد من قرطاج إلى الحاضرة الحديثة، وهذه المعالم ليست مجرد ذكريات إنما هي جسر يعبر بنا إلى المستقبل، يتساءل البعض كيف نعيد إحياء هذا التاريخ الثقافي ليواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها اليوم؟ كيف نعيد بناء علاقة المواطن التونسي بهذا التاريخ وكيف نغرس فيه الوعي بأهمية الحفاظ عليه وحمايته؟ هذا ما تسعى "دراسات ثقافية" للإجابة عليه ليس فقط عبر دراسة التاريخ لكن من خلال استكشاف كيفية تأثير هذا الماضي في تشكيل هوية الحاضر.
أحد المجالات الجوهرية التي تعنى بها السلسلة هو إدارة المشاريع الثقافية والسياسات الهادفة للإصلاح الثقافي، فلا شك أن الثقافة ليست مجرد فنون وموسيقى ولكنها مرآة تعكس حال المجتمع وتوجهاته، إلا انه لا يمكن أن تستمر وتزدهر دون وجود سياسات ثقافية استراتيجية تعنى بتنظيم وتطوير المشهد الثقافي، فكيف يمكن للثقافة أن تكون أداة فاعلة في تنمية المجتمع إذا لم يتم توفير البيئة المناسبة لها من خلال سياسات ثقافية مدروسة؟ كيف نطور المؤسسات الثقافية لتصبح مكانا حيويا للإبداع والنقد والبحث؟ التحدي في هذا السياق هو صياغة سياسات ثقافية قادرة على تحقيق الإصلاحات الضرورية للقطاع الثقافي التونسي بما يسهم في تعزيز دور الثقافة في بناء مجتمع معرفي متكامل.
من جهة أخرى، الموسيقى والفنون التشكيلية تأتي في صلب التفاعل بين الأفراد والثقافة، في هذا السياق يتناول مشروع "الدراسات ااثقافية" الدليل المرجعي للتعليم الموسيقي في المؤسسات الثقافية التونسية كأداة لتوسيع الفهم حول دور الموسيقى في التربية الثقافية، فالموسيقى ليست مجرد أداة للتسلية ولكن هي لغة تعبيرية تحمل تاريخا طويلا من العواطف والأفكار وتساهم بشكل كبير في تشكيل الشخصية الثقافية الفردية والجماعية وعندما نتحدث عن الموسيقى في تونس نحن نتحدث عن مزيج فريد من التأثيرات التي تنحدر من جذور البحر الأبيض المتوسط ومن مناطق أخرى، ولكن التحدي هنا يكمن في كيفية تعزيز التعليم الموسيقي ليشمل ليس فقط المعرفة التقنية بل أيضا الفهم العميق للهوية الموسيقية التونسية التي تشكل جزءا أساسيا من نسيجنا الثقافي.
أما في مجال الفنون التشكيلية، فقد اخترت السلسلة "الخط العربي" كموضوع محوري، فهو ليس جرد وسيلة للكتابة لكنه فن قائم بذاته يحمل في طياته أبعادا فلسفية وروحية تتجاوز مجرد الحروف، ويعتبر أحد أرقى أشكال التعبير الفني في العالم العربي وهو يعكس الحضارة الإسلامية في أجمل صورها، وفي تونس يعتبر جزءا أساسيا من التراث الثقافي التونسي وهو يشهد على تفاعل الفنون التشكيلية مع الهوية الثقافية المحلية والعالمية، إلا أن التحدي هنا يكمن في كيفية الحفاظ على هذه الحرفة الفنية وتطويرها ضمن السياقات المعاصرة ليظل الخط العربي قادرا على التفاعل مع تطورات العصر الجديد، ويظل جزءا حيا من الثقافة التونسية المعاصرة.
وفي خضم كل هذه المواضيع، يبقى الأمل في أن تسهم هذه السلسلة في إغناء النقاش الثقافي الوطني عبر دعوة جميع الباحثين والمثقفين لطرح أبحاثهم التي تتناول هذه القضايا بعمق وموضوعية، اذ إن التفاعل بين الأكاديميين، الفنانين، وصناع الثقافة في تونس هو الأساس في بناء هوية ثقافية تنبض بالحياة وقادرة على مواجهة تحديات العولمة التي تهدد في كثير من الأحيان بإذابة الفروق الثقافية،كما وأن ن "الدراسات الثقافية" تمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في ما يعنيه أن نكون تونسيين في العصر الحديث وكيف يمكن للثقافة أن تكون حلا لتحدياتنا الحالية وأداة للتعبير عن هويتنا المستمرة.