في كل عام، يتجدد الحديث عن التوحد غير أنه في كثير من الأحيان يظل حبيس المناسباتية حيث يسطح قضية جوهرية تتجاوز أبعادها المفهوم البيولوجي أو الطبي إلى ما هو أعمق وأشمل، إذ تتداخل الأبعاد الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية، والتشريعية، لتشكل صورة متكاملة لما يعنيه أن يكون الإنسان مختلفا في مجتمع لم يتجاوز بعدُ ثنائية "الطبيعي" و"غير الطبيعي"؛ وبالتالي، فإن اليوم العالمي للتوعية بالتوحد ليس مجرد موعد لرفع الشعارات إنما هو لحظة اختبار حقيقية لمدى قدرة المجتمع على استيعاب التعددية ليس فقط كمبدأ أخلاقي ولكن كضرورة وجودية تفرض نفسها على كل بنية تسعى إلى تحقيق العدالة في أسمى معانيها.
مقالات ذات صلة:
التوحد في تونس: 200 ألف طفل مهددون بفرص ضائعة.. وزارة الصحة تطالب بتدخل عاجل لإنقاذ المستقبل!
علماء صينيون يطورون حقنة تستهدف معالجة أعراض التوحد بتحرير القاعدة الجينية
ولعل أول ما يستوقفنا، حين ننظر إلى هذه القضية بعمق هو الأرقام الصادمة، فإذا كان عدد الأطفال المصابين بالتوحد في تونس وحدها يقدر بمئتي ألف. فإن هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة لكنه صرخة مدوية تحتم علينا أن نتساءل كيف يمكن لمجتمع أن يتجاهل وجود فئة بهذا الحجم دون أن يكون ذلك انعكاسا لعطب في بنيته؟ ثم، ألا يدفعنا هذا الرقم إلى إعادة التفكير في المسؤولية الجماعية لا باعتبارها ترفًا إنسانيا بل واجبا أصيلا لا يمكن التنصل منه؟ فالطفل، أيا كان هو مشروع إنسان متكامل لا يقاس بمدى مطابقته لمعايير نمطية صارمة لكن بقدر ما يتاح له من فرص للنمو وفق خصوصيته الفريدة، وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح هل نتعامل مع التوحد من منطلق الرعاية والعطف أم من منطلق الحقوق والواجبات؟ ذلك أن أي مجتمع يسقط فئة من حساباته تحت أي ذريعة كانت لا يظلم هذه الفئة فقط الا انه يظلم نفسه بحرمانه من جزء من ثرائه الإنساني الذي لا يكتمل إلا باحترام التنوع والاختلاف.
وبالعودة إلى التشخيص المبكر الذي يعد أول خطوة في التعامل مع التوحد نجد أنه ليس مجرد عملية طبية معزولة وإنما هو المفتاح الذي يحدد مسار حياة بأكملها، فالطفل الذي يشهص مبكرا يتاح له أن يستفيد من استراتيجيات تدخل فعالة تساعده على التكيف مع العالم من حوله غير أن التشخيص وحده لا يكفي ما لم يكن متبوعا بنظام تعليمي دامج يأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية، ومن هنا تبرز إشكالية كبرى تتعلق بالمدرسة هل هي حقا فضاء دامج يساوي بين جميع الأطفال أم أنها مجرد انعكاس لمنظومة تفرز المختلفين وتدفع بهم إلى الهامش؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تقاس بالتصريحات الرسمية ولا بالنصوص القانونية الجامدة بل بما يحدث على أرض الواقع داخل الفصول الدراسية حيث يكون الإدماج الحقيقي هو الذي يمارس لا الذي يعلن عنه.
لكن، وحتى لو افترضنا نجاح الإدماج في المدرسة، فهل ينتهي الأمر عند هذا الحد؟ بالطبع لا، إذ إن التحدي الحقيقي يبدأ عندما يكبر الطفل المصاب بالتوحد فيجد نفسه أمام أسئلة أكثر تعقيدا تتجاوز التعليم إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، وهنا تبرز معضلة جديدة، كيف يتعامل المجتمع مع البالغين من ذوي طيف التوحد؟ فمن ناحية قد يحظى الطفل الصغير بتعاطف نسبي لكن ماذا عن الشاب الذي يسعى إلى الاندماج في سوق العمل؟ هل توفر السياسات التشغيلية آليات تكافؤ الفرص أم أنها تبقي هؤلاء الأفراد خارج الحسابات وكأنهم كيان غير مرئي؟ لا شك أن فكرة الإنتاجية كما تروج لها الأنظمة الاقتصادية السائدة ما زالت تقيم الإنسان بناء على معايير ضيقة تتجاهل أن الإسهام في المجتمع لا يقتصر على نموذج واحد إنما يمكن أن يأخذ أشكالا متعددة تتناسب مع قدرات الأفراد وميولهم.
وفي هذا السياق، لا يمكننا الحديث عن الإدماج دون التطرق إلى الإطار القانوني الذي يفترض أن يحمي حقوق هذه الفئة، ولكن هل يكفي وجود القوانين لضمان العدالة؟ بالتأكيد لا، فالتاريخ أثبت مرارا أن التشريعات مهما بلغت دقتها تظل قاصرة إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية لتفعيلها، إذ إن القانون في جوهره ليس مجرد نصوص تدون في الكتب بل هو أداة لصناعة الواقع وتعديله وفقا لمقتضيات العدالة، ومن هذا المنطلق فإن الأحكام القضائية التي تنصف فردا لا تغير الواقع إذا لم تتحول إلى سابقة تؤسس لممارسات جديدة، وهنا لابد من أن نتساءل هل يمكن الحديث عن مجتمع إذا كان الإنصاف مجرد استثناء وليس القاعدة؟
لكن، حتى لو افترضنا وجود الإرادة القانونية فهل هذا كاف؟ بالتأكيد لا، إذ إن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تطبيق القوانين وإنما في تغيير العقليات، فالقوانين تفرض لكن الوعي يبنى، وهذا يعني أن أي جهد حقيقي لإدماج الأشخاص المصابين بالتوحد لا يمكن أن يقتصر على التشريعات لكن يجب أن يشمل الإعلام والتعليم والمجتمع المدني من أجل نشر معرفة حقيقية تغير التصورات السائدة التي ما زالت تعرف الاختلاف بناء على مقاييس ضيقة، ذلك أن أي مجتمع يُقيم أفراده بناء على مدى تطابقهم مع نموذج واحد هو مجتمع يقصي أكثر مما يدمج ويضعف نفسه أكثر مما يقويها.
وفي النهاية، لابد من التأكيد على أن خلق بيئة دامجة، صحية، وآمنة ليس مجرد شعار يرفع في يوم عالمي لكنه التزام طويل الأمد يقاس بما يتحقق على أرض الواقع لا بما يقال في الخطب والندوات، فكل طفل مصاب بالتوحد هو اختبار حقيقي لإنسانية مجتمعه والنجاح في هذا الاختبار لا يكون بتوفير الحد الأدنى من الحقوق إنما بجعل الإدماج قاعدة لا استثناء والتنوع مصدر قوة لا مبررا للإقصاء، إذ إن المجتمعات التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي لا تواجه تحديات ولكنها تلك التي تحول التحديات إلى فرص وتجعل من كل فرد مهما كان اختلافه جزءا أصيلا من نسيجها لا هامشا يمكن الاستغناء عنه.